سيد محمد طنطاوي
282
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال ابن كثير : لما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد ، وقتل من قتل منهم ، نادى الشيطان : ألا إن محمدا قد قتل ، ورجع ابن قميئة إلى المشركين فقال لهم : قتلت محمدا . وإنما قد ضرب رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فشجه في رأسه . فوقع ذلك في قلوب كثير من الناس ، واعتقدوا أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد قتل ، فحصل ضعف ووهن وتأخر - بين المسلمين - عن القتال . ففي ذلك أنزل اللَّه تعالى - * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِه الرُّسُلُ ) * الآية « 1 » . وقوله - تعالى - * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِه الرُّسُلُ ) * تقرير لحقيقة ثابتة ، ولأمر مؤكد ، وهو أن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم واحد من البشر ، وأنه سيموت كما يموت جميع البشر ، وأنه ليس له صفة تميزه عن سائر البشر سوى الرسالة التي وهبها اللَّه - تعالى - له ، ومنحه إياها ، وأن هذه الرسالة لا تقتضي بقاءه أو خلوده ، إذ الرسل الذين سبقوه قد أدوا رسالتهم في الحياة كما أمرهم خالقهم ثم ماتوا أو قتلوا . وما دام الأمر كذلك فمحمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم سيموت وينتقل إلى الرفيق الأعلى كما مات الذين سبقوه من الأنبياء ، وكما سيموت جميع البشر . والقصر في قوله - تعالى - : * ( وما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ ) * من باب قصر الموصوف على الصفة ، أي قصر محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم على وصف الرسالة قصرا إضافيا . وفي هذا القصر رد على ما صدر من بعض المسلمين من اضطراب وضعف حين أرجف المنافقون في غزوة أحد بأن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قد قتل . فكأنه - تعالى - يقول لهم : إن محمدا صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رسول من الرسل الذين أرسلهم اللَّه لإخراج
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 1 ص 409 .